ابراهيم بن عمر البقاعي
8
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان الاستهزاء برسول الملك استهزاء به ، وكانت المماليك إنما تقام بالسياسة بالرغبة والرهبة وإيقاع الهيبة حتى يتم الجلال وتثبت العظمة ، فكان لذلك لا يجوز في عقل عاقل أن يقر ملك على الاستهزاء به ، سبب عن الاستهزاء بالرسل الهلاك فقال : فَأَهْلَكْنا وكان الأصل الإضمار ، ولكنه أظهر الضمير بيانا لما كان في الأولين من الضخامة صارفا أسلوب الخطاب إلى الغيبة إقبالا على نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم تسلية له وإبلاغا في وعيدهم فقال : أَشَدَّ مِنْهُمْ أي من قريش الذين يستهزئون بك بَطْشاً من جهة العد والعدد والقوة والجلد فما ظنهم بأنفسهم وهم أضعف منهم إن تمادوا في الاستهزاء برسول اللّه الأعلى . ولما ذكر إهلاك أولئك ذكر أن حالهم عند الإهلاك كان أضعف حال ليعتبر هؤلاء فقال : وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ * أي وقع إهلاكهم الذي كان مثلا يتمثل به من بعدهم ، وذكر أيضا في القرآن الخبر عنه بما حقه أن يشير مشير المثل بل ذكر أن من عبده الأولون واعتمدوا عليه مثل بيت العنكبوت فكيف بالأولين أنفسهم فكيف بهؤلاء ، فإن الحال أدى إلى أنهم أضعف من الأضعف من بيت العنكبوت فلينتظروا أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك ، بأيدي جند اللّه من البشر أو الملائكة . ولما كان التقدير : فلئن سألتهم عمن سمعوا بخبره ممن ذكرناهم من الأولين ليعترفن بما سمعوا من خبرهم لأنا لم نجعل لهم على المباهتة فيه جرأة لما طبعناهم عليه في أغلب أحوالهم من الصدق ، عطف عليه قولهم مبينا لجهلهم بوقوعهم في التناقض مؤكدا له لما في اعترافهم به من العجب المنافي لحالهم : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ أيضا عما هو أكبر من ذلك وأدل على القدرة ، وجميع صفات الكمال فقلت لهم : مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ على علوها وسعتها وَالْأَرْضَ على كثرة عجائبها وعظمتها لَيَقُولُنَّ أي من غير توقف . ولما كان السؤال عن المبتدأ ، كان الجواب المطابق ذكر الخبر ، فكان الجواب هنا : اللّه - كما في غيره من الآيات ، لكنه عدل عنه إلى المطابقة المعنوية لافتا القول عن مظهر العظمة إلى ما يفيد من الأوصاف القدرة على كل شيء ، وأنه تعالى يغلب كل شيء ، ولا يغلبه شيء مكررا للفعل تأكيدا لاعترافهم زيادة في توبيخهم وتنبيها على عظيم غلطهم ، فقال معبرا بما هو لازم لاعترافهم له سبحانه بالتفرد بالإيجاد لأنه أنسب الأشياء لمقصود السورة وللإبانة التي هي مطلعها . خَلَقَهُنَّ الذي هو موصوف بأنه الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * أي الذي يلزم المعترف بإسناد هذا الخلق إليه أن يعترف بأنه يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء وأن علمه محيط بكل شيء ، فيقدر على إيجاده على وجه من